
جدل الفناء والخلود في الفلسفة اليونانية ، دراسة في النفس الانسانية (الطبيعيين والإيلين أنموذجا)
Author(s) -
حامد حمزة حمد
Publication year - 2022
Publication title -
mağallaẗ wāsiṭ li-l-ʿulūm al-insāniyyaẗ
Language(s) - Arabic
Resource type - Journals
eISSN - 2790-346X
pISSN - 1812-0512
DOI - 10.31185/.vol18.iss50.153
Subject(s) - political science
لقد كان موضوع النفس على مدى تاريخ الفكر وما زال مثارا للجدل والبحث، ويعد من المواضيع المهمة لمعرفة حقيقة الوجود الانساني، لما تشكله النفس من خاصية تميز الكائن الحي العاقل عن غير الحي. وعلى الرغم من انها تمثل صورة غير مادية في الوجود بنوعيه الانساني والطبيعي ولكنها في حالات كثيرة تتمثل في صورة الطبيعة المادية ،خاصة في حالة اتحادها مع الجسد ،حيث تعبر عن وجودها المادي في الطبيعة كسائر الموجودات الاخرى.
ان للنفس دور كبير في بعث حالة من الارتقاء في الانسان ،فهي في حالات كثيرة تأخذ دور العقل او تتمظهر به من خلال ما ينتجه الانسان العاقل من افكار هي في حقيقتها افرازات النوازع الداخلية للنفس الانسانية .ونعتقد نحن ان معظم الافكار خاصة الفلسفية منها انما هي نابعة من حالات النفس الانسانية ونوازعها المتقلبة التي تنتج مظاهر مختلفة من مستويات التفكير حسب ما يحيط الفرد من ظروف اجتماعية او مؤثرات مختلفة.
لقد كانت النفس مصدرا مهما للانسجام والتوافق عند معظم الفلاسفة الطبيعيين ،فضلا عن كونها تخلق حالة من التوازن في مباحث الفلسفة مثل الاخلاق والسياسة ،بل وحتى الوجود الطبيعي ،كما انها كانت سبب في حالة التوافق بين الافكار المتعارضة عند كل من انكسيمندر وهرقليطس وافلاطون وغيرهم من الفلاسفة، كما في جدلية (الحياة والموت، الوجود واللاوجود، الصحة والمرض، طريق الحق وطريق الباطل، الجدل الصاعد والجدل النازل)،وغيرها من التصورات الفلسفية التي تشكل في تعارضها فكرة موحدة تلعب النفس التي تمثل صورة مختلطة مع العقل في حالات كثيرة دور خفي في ذلك التوافق الذي هو مطلب الوجود الطبيعي وهدفه.
لقد كان دور الروح او العقل في تنظيم الاشياء واضح عند معظم الفلاسفة خاصة انكسيمندر وهرقليطس وانكساغوراس، كما سعى معظم الفلاسفة الى ايجاد عامل ينظم او يتحكم في مسيرة وحركة الوجود بطريقة ديالكتيكية جدلية تحاول الجمع بين ما هو متناقض في الاطراف المكونة للوجود المادي لأجل ادامة الحياة فيه واستمراريتها وانتظامها وخلق حالة من النظام والانسجام بين الاطراف المتضادة والمضطربة .
ان التوافق والانسجام في الوجود الطبيعي يخلق هو الاخر حالة من الانسجام والتوافق في الفكر بأشكاله المختلفة ،وقد كان للعقل او النفس الدور الواضح في ذلك. لقد كان جدل الوجود والحركة عند معظم الفلاسفة مرتبط بالنفس من خلال الدور الذي تلعبه في اضفاء حالة من الحياة على الوجود مرتبطة بالحركة التي تسببها فيه. لقد نظر اوائل الفلاسفة الطبيعيين الى المادة على انها سبب الحركة ومبدأ الوجود في ان واحد ،وقادتهم تلك التصورات الى جدلية (المادة-الحركة)،في الوجود الطبيعي، والى جدلية (الجسد –الروح)،في الوجود الانساني، حيث عدوا ان كل شيء يتحرك ذو حياة وهو دليلهم على ان النفس كعامل للحركة ممتزجة بالمادة.
اما مع انكساغوراس فالأمر مختلف بعض الشيء ،فقد نظر الى العقل الذي سبب الحركة في المادة على انه عامل خارجي يقترن بالمادة في حالة معينة يسبب التمازج بين المادي واللامادي ويخلق الحياة ويبعثها لأول مرة ثم تستمر الى الابد من خلال ديالكتيك خاص ينفصل فيه المادي عن اللامادي.
اما في صراع الوجود المتغير والثابت بين هرقليطس وبارمنيدس فلم تكن صورة النفس واضحة المعالم عندهم ،فلم يعتقد هرقليطس بثنائية (الجسد –الروح)،لأنه تصور ان الاثنين شيء واحد ومصدره واحد هو النار ،والنفس حينما تترك الجسد تعود الى مصدرها او عالمها الخاص (النار)،فهي لا تفنى ولا تخلد بمعزل عن الجسد، والى النار ينتهي كل شيء ،فهي المبدأ الاول ومنها التكوين واليها المنتهى، والحركة هي التي تجعل الاشياء في صيرورة دائمة محكومة بقانون ثابت. اما عند بارمنيدس والايلين ،فعلى الرغم من ان العالم واحد وثابت وساكن ،لكن الوجود مولد للفكر ،وهذا دليل على عدم تمكنهم من تأكيد ان الوجود لا يتحرك او لا يتغير ،لان ولادة الفكر دليل على الحركة ،ومهما كانت اسبابها فهي تبعث بالحياة . ان قول بارمنيدس باحتواء الوجود على الفكر دليل على احتواء الوجود على العقل المفكر ،وهذا دليل على وجود حياة وحركة داخل وجود بارمنيدس الثابت او الساكن ،لان الفكر نابع من وجود الحياة للكائن الحي الواعي ،والوعي الانساني مرتبط بالنفس ،والنفس في هذه الحالة تكون في وجود دائم غير قابل للزوال ،لذك فهي سبب جود الحياة في الوجود الثابت المبني على ادراك الفكر له.